الشنقيطي

53

أضواء البيان

وتطلق على يوم القيامة كما هنا في هذه الآية لدلالة القرآن على ذلك ، من ذلك قوله تعالى في نفس المعنى : * ( يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِى كُنتُ تُرَاباً ) * . والقرائن في الآية منها : اكتنافها بالحث على تقوى الله قبله وبعده . ومنها : التذييل بالتحذير في قوله : * ( إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) * أي بالمقاصد في الأعمال وبالظواهر والبواطن ، ولأن يوم القيامة هو موضع النسيان ، فاحتاج التنبيه عليه . ويكون التعبير عن يوم القيامة بغد لقرب مجيئه وتحقق وقوعه كقوله تعالى : * ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ) * ، وقوله : * ( وَمَآ أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) * . ومن ناحية أخرى ، فإن الغد لكل إنسان بمعنى يوم القيامة يتحقق بيوم موته ، لأنه يعاين ما قد قدم يوم موته ، وقد نكر لفظ نفس وغد هنا ، فقيل في الأول لقلة من الناظرين ، وفي الثاني لعظم أمره وشدة هوله . وهنا قد تكرر الأمر بتقوى الله كما أسلفنا مرتين ، فقيل للتأكيد ، قاله ابن كثير ، وقيل للتأسيس ، قاله الزمخشري وغيره . فعلى أنه للتأكيد ظاهر وعلى التأسيس يكون الأول لفعل المأمور والثاني لترك المحظور ، مستدلين بمجيء موجب الفعل أولاً * ( وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ ) * ، ومجئ موجب التحذير ثانياً * ( إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) * . وهذا وإن كان له وجه ، ويشهد للتأكيد قوله تعالى : * ( اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ) * وإن كانت نسخت بقوله : * ( فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) * فيدل لمفهومه قوله : * ( وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَءَاخَرَ سَيِّئاً ) * أي بترك بعض المأمور ، وفعل بعض المحظور . وعليه فلا تتحقق التقوى إلا بمراعاة الجانبين ، ولكن مادة التقوى وهي اتخاذ الوقاية مما يوجب عذاب الله تشمل شرعاً الأمرين معاً لقوله تعالى في عموم اتخاذ الوقاية * ( قُواْ